| صفة القدم: هي صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ يتصف بها واجب الوجود تسلُب عنه سبحانه وتعالى الحدوث، وحقيقة صفة القدم انتفاء العدم السابق لذاته وصفاته سبحانه وتعالى.
يجب لله القدم بمعنى الأزلية لا بمعنى تقادم العهد والزمن؛ لأن لفظ القديم والأزلي إذا أطلقا على الله تعالى كان المعنى أنه لا بداية لوجوده، فيقال: الله أزلي، الله قديم، وإذا أطلقا على المخلوق كانا بمعنى تقادم العهد والزمن، قال الله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)(يّـس:39)، وقال الفيروزأبادي في القاموس: الهرمان بناءان أزليان بمصر، فالقدم والأزلية هنا بمعنى الشيء الذي مضى عليه زمن طويل.
وتنقسم الموجودات من حيثُ القِدم والبقاء إلى ثلاثة أقسام:
1- أزلية أبدية: وهي ما لا بداية ولا نهاية لوجودها وهي ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته.
2- لا أزلية أبدية: وهي ما لوجودها بداية لكن ليس له نهاية، لا لذاتها بل اختياراً من الله سبحانه وتعالى، فالله تعالى هو الذي شاء لها البقاء، وهي ثمانية أشياء: الجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والروح وعجب الذنب - وهو الفقرة التي تكون في آخر العمود الفقري-، وقد نظمها الإمام السيوطي رحمه الله في قوله:
ثمانيةٌ حُـكمُ البقــاءِ يعُمُّهـا مِنَ الخلقِ والباقُون فِي حَيْزِ العَدَمْ
هِيَ العَرْشُ والكُرسِيُّ نَارٌ وَجَنَّةٌ وعجبٌ وَأَرواحٌ كَذَا اللوحُ والقَلَمْ
3- لا أزلية لا أبدية: وهي ما لوجودها بداية ونهاية وهي بقية المخلوقات.
الأدلة النقلية:
• قال تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ)(الحديد: من الآية3) أي أولٌ بلا ابتداء.
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أَنْتَ الأَوَّلُ لَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ)(رواه الإمام أحمد)، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )(رواه أبو داود).
• وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى متصف بالقِدَم، فلم يسبق ذاته ولا صفاته عدم.
الدليل العقلي:
وبرهان وجوب القدم لله تعالى أنه لو لم يكن قديماً لصار حادثاً جائز الوجود؛ لأن الموجودات تنحصر في القديم والحادث، وإذا كان حادثاً فلا بد له من محدث أيضاً، فلزم بذلك الدور أو التسلسل وكلاهما محال باطل؛ أما الدور فمعناه توقف وجود الشيء على ما يُتوقف وجوده عليه كما لو قيل زيدٌ أوجده عمرو وعمرو أوجده بكر وبكرٌ أوجده زيد، هذا معناه فيه وقف وجود زيد على وجود عمرو وعلى وجود بكر وهذا شيء لا يقبله العقل لأنه يؤدي إلى القول بأن هذا مخلوق لشيء هو مخلوقٌ له أي مخلوق لمخلوقه، فيلزم بذلك التقديم والتأخير في وقت واحد لكل منهما، حيث إن كلا منهما فاعل للآخر ومفعول له، وكونه فاعلاً يلزم أن يكون متقدماً على مفعوله، وكونه مفعولاً له يلزم أن يكون متأخراً عنه، وكون الشيء الواحد متقدماً متأخراً في وقت واحد جمعٌ بين النقيضين، وأما التسلسل فهو توقف وجود شيء على شيءٍ يتوقف وجوده على غيره وذلك وجوده يتوقف على غيره وذلك يتوقف وجوده على غيره أي كل هؤلاء خالقٌ لما يليه إلى غير انتهاء وهذا لا يقبله العقل ومثال التسلسل كأن يقول شخصٌ لآخر: لا أعطيك درهماً حتى أعطيك قبله درهماً ولا أعطيك ذلك الدرهم حتى أعطيك قبله درهماً وهكذا لا إلى أول، فمعنى ذلك أنه لن يعطيه درهماً، وتتابع المحدِثات إلى غير نهاية يؤدي إلى عدم وجود حادث ما، لكن وجود الحوادث ثابت ضرورة أي قطعاً بالحس والمشاهدة والعقل، فإذا ثبت لنا استحالة الدور والتسلسل، لزم كون الخالق سبحانه وتعالى قديماً لا أول له.
قال الإمام عبد الواحد بن عاشر المالكي رحمه الله:
لَوْ لَمْ يَكُ الْقِدَمُ وَصْفَه لَزِمْ حُدُوثُـهُ دَوْرٌ تَسَلْسُلٌ حُتِمْ |